السيد محمدحسين الطباطبائي

58

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم

ولست أدري أي جملة من جمل كلامه - على فساده بتمام أجزائه - تقبل الإصلاح حتى تنطبق على الحق والحقية بوجه ؟ فقد اتسع الخرق على الراتق . ففيه أولا : أن هذا التقوّل العجيب الذي تقوّله في البعثة ونزول القرآن أول ما نزل وأنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نزل عليه : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ، وهو في الطريق ثم نزلت عليه سورة الحمد ثمّ علّم الصلاة ، ثمّ دخل البيت ونام تعبانا ، ثم نزلت عليه سورة المدّثر صبيحة الليلة فأمر بالتبليغ ، كل ذلك تقوّل لا دليل عليه لا آية محكمة ولا سنّة قائمة ، وإنما هي قصة تخيّليّة لا توافق الكتاب ولا النقل على ما سيجيء . وثانيا : أنه ذكر أن من المسلّم أن البعثة ونزول القرآن والأمر بالتبليغ مقارنة زمانا ثم فسّر ذلك بأن النبوة ابتدأت بنزول القرآن ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نبيا غير رسول ليلة واحدة فقط ثم في صبيحة الليلة أعطي الرسالة بنزول سورة المدّثر ، ولا يسعه ، أن يستند في ذلك إلى كتاب ولا سنّة ، وليس من المسلّم ذلك . أما السنّة فلأن لازم ما طعن به في جوامع الحديث مطلقا إذ لا شيء من كتب الحديث مما ألّفته العامة أو الخاصة إلّا وتأليفه متأخر عن عصر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قرنين فصاعدا فهذا في السنّة ، والتاريخ - على خلوّه من هذه التفاصيل - حاله أسوأ والدس الذي رمى به الحديث متطرق إليه أيضا . وأما الكتاب فقصور دلالته على ما ذكره أوضح وأجلى بل دلالته على خلاف ما ذكره وتكذيب ما تقوّله ظاهرة فإن سورة اقرأ باسم ربك - وهي أول سورة نزلت على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على ما ذكره أهل النقل ، ويشهد به الآيات الخمس التي في صدرها ولم يذكر أحد أنها نزلت قطعات ولا أقلّ من احتمال نزولها دفعة - مشتملة على أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان يصلي بمرأى من القوم وأنه كان منهم من ينهاه عن الصلاة ويذكر أمره في نادي القوم ( ولا ندري كيف كانت هذه الصلاة التي كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يتقرّب بها إلى ربّه في بادئ أمره إلّا ما تشتمل عليه هذه السورة من أمر السجدة ) قال تعالى فيها : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى . عَبْداً إِذا صَلَّى . أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى . أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى . أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى . أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى . كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ . ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ